أحمد مطلوب
593
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
وابن الخطيب الرازي وغيرهما » « 1 » . لقد تحدّث عبد القاهر عن المجاز العقلي في « دلائل الاعجاز » و « أسرار البلاغة » وخلاصة ما قاله أنّ في الكلام مجازا يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها ويكون معناها مقصودا في نفسه ومرادا من غير تورية وتعريض كقولهم : « نهارك صائم » و « ليلك قائم » و « نام ليلي وتجلى همي » وقوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ « 2 » وقول الفرزدق : سقاها خروق في المسامع لم تكن * علاطا ولا مخبوطة في الملاغم « 3 » قال عبد القاهر : « أنت ترى مجازا في هذا كله ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الالفاظ ولكن في أحكام أجريت عليها . أفلا ترى أنّك لم تتجوز في قولك : « نهارك صائم » « وليلك قائم » في نفس « صائم » و « قائم » ولكن في أن أجريتهما خبرين على النهار والليل ، وكذلك ليس المجاز في الآية في « ربحت » ولكن في إسنادها إلى التجارة . وهكذا الحكم في « سقاها خروق » ليس التجوّز في « سقاها » ولكن في أن أسندها إلى الخروق . أفلا ترى أنك لا ترى شيئا منها إلا وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته فلم يرد ب « صائم » غير الصوم ولا ب « قائم » غير القيام ولا ب « ربحت » غير الربح ولا ب « سقت » غير السقي كما أريد في قوله : « وسالت باعناق المطي الأباطح » غير السيل » « 4 » . وليس بواجب في المجاز الإسناديّ أو العقليّ أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا نحن نقلنا الفعل اليه عدنا به إلى الحقيقة مثل أن نقول في : ربحت تجارتهم » : ربحوا في تجارتهم ، وفي « يحمي نساءنا ضرب » : نحمي نساءنا بضرب ، فان ذلك لا يتأتّى في كل شيء . ونحن لا نستطيع أن نثبت للفعل « اقدمني » في « اقدمني بلدك حق لي على انسان » فاعلا سوى « الحق » . وكذلك لا نستطيع في قول الشاعر : وصيّرني هواك وبي * لحيني يضرب المثل وقوله : يزيدك وجهه حسنا * إذا ما زدته نظرا أن نزعم أنّ ل « صيّرني » فاعلا قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى كما في « رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ » و « يحمي نساءنا ضرب » ، ولا نستطيع كذلك أن نقد ل « يزيد » في « يزيدك وجهه » فاعلا غير الوجه . وأخذ الزّمخشري آراء عبد القاهر وطبّقها في تفسيره الكشّاف « 5 » ، وسار الرازي على خطاه وإن خالفه أحيانا « 6 » ، وحينما وضع السّكّاكي علوم البلاغة وضعها الأخير قال عن المجاز العقلي : « هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلّم من الحكم فيه لضرب من التأويل إفادة للخلاف لا بوساطة وضع » « 7 » ثم رأى بعد ذلك نظمه في سلك الاستعارة بالكناية ، وإلى ذلك ذهب العلوي الذي قال إنّ أمثلة المجاز العقلي مجازات لغوية استعملت في غير مواضعها الأصلية ، وعدّ ما ذهب اليه الرازي من أنّها عقلية فاسدا « 8 » . ثم قال : « والمختار عندنا أنّ المجاز لا مدخل له في الأحكام العقلية ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليّا ، لأنّ ما هذا حاله انما يتعلّق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية » « 9 » .
--> ( 1 ) الطراز ج 3 ص 257 . ( 2 ) البقرة 16 . ( 3 ) علط الناقة : وسمها بالعلاط وهي صفحة العنق أو حبل يجعل في عنق البعير الملغم : الفم . ( 4 ) دلائل الاعجاز ص 228 . ( 5 ) الكشاف ج 1 ص 53 ، وينظر المطول ص 58 . ( 6 ) نهاية الايجاز ص 47 وما بعدها . ( 7 ) مفتاح العلوم ص 185 . ( 8 ) الطراز ج 1 ص 75 - 76 . ( 9 ) الطراز ج 1 ص 250 .